ابن كثير
286
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له » « 1 » . وقوله تعالى : أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ أي هو المتصرف الفاعل لذلك بحكمته وعدله ، فيوسع على قوم ويضيق على آخرين إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ . [ سورة الروم ( 30 ) : الآيات 38 إلى 40 ] فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 38 ) وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ ( 39 ) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 40 ) يقول تعالى آمرا بإعطاء ذي القربى حقه أي من البر والصلة ، وَالْمِسْكِينَ وهو الذي لا شيء له ينفق عليه أو له شيء لا يقوم بكفايته ، وَابْنَ السَّبِيلِ وهو المسافر المحتاج إلى نفقة وما يحتاج إليه في سفره ، ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ أي النظر إليه يوم القيامة وهو الغاية القصوى ، وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ أي في الدنيا والآخرة . ثم قال تعالى : وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ أي من أعطى عطية يريد أن يرد عليه الناس أكثر مما أهدى لهم ، فهذا لا ثواب له عند اللّه ، بهذا فسره ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وعكرمة ومحمد بن كعب والشعبي ، وهذا الصنيع مباح وإن كان لا ثواب فيه ، إلا أنه قد نهى عنه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خاصة ، قاله الضحاك ، واستدل بقوله : وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ أي لا تعط العطاء تريد أكثر منه . وقال ابن عباس : الربا رباءان : فربا لا يصح ، يعني ربا البيع ؟ وربا لا بأس به وهو هدية الرجل يريد فضلها ، وأضعافها ، ثم تلا هذه الآية وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وإنما الثواب عند اللّه في الزكاة ، ولهذا قال تعالى : وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ أي الذين يضاعف اللّه لهم الثواب والجزاء . كما جاء في الصحيح « وما تصدق أحد بعدل تمرة من كسب طيب إلا أخذها الرحمن بيمينه فيربيها لصاحبها ، كما يربي أحدكم فلوّه أو فصيله حتى تصير التمرة أعظم من أحد » « 2 » . وقوله عز وجل : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ أي هو الخالق الرزاق ، يخرج الإنسان من بطن أمه عريانا لا علم له ولا سمع ولا بصر ولا قوة ، ثم يرزقه جميع ذلك بعد ذلك والرياش واللباس والمال والأملاك والمكاسب . كما قال الإمام أحمد « 3 » : حدثنا أبو معاوية ، حدثنا الأعمش عن سلام أبي شرحبيل عن حبة وسواء ابني خالد قالا : دخلنا على النبي صلى اللّه عليه وسلم وهو
--> ( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 4 / 332 ، 333 ، 6 / 15 ، 16 . ( 2 ) أخرجه البخاري في الزكاة باب 8 ، والتوحيد باب 23 ، ومسلم في الزكاة حديث 63 ، 64 . ( 3 ) المسند 3 / 469 .